23:00 | 12 ديسمبر 2019
رئيس مجلس الادارة
حازم فوزي
رئيس التحرير
عبدالمنعم حجازى

عبدالباسط هيكل: الانغلاق أدي إلي الإرهاب والإلحاد.. وقانون الفكر هو التجديد

الجمعة 18-10-2019 10:08 ص
عبدالباسط هيكل: الانغلاق أدي إلي الإرهاب والإلحاد.. وقانون الفكر هو التجديد
الدكتور عبدالباسط هيكل عضو هيئة التدريس بالأزهر
نعمات مدحت

الرئيس نادي بالتجديد مرارا لأنه يدرك خطورة المرحلة 

شلتوت وعبدالمتعال الصعيدي عاشا مرارة التجديد

ما زال تجديد الخطاب محصورًا في شكل بروتكولي

4 إشكاليات تعيق انطلاق عملية التجديد

الضمانة لاستمرارية التجديد وعي المجتمع

في رأيي أننا في حاجة إلى اصلاح وليس مجرد تجديد، فالكتاب يحاول من خلال دراسة نتاج الشيخ محمد عبده، والشيخ مصطفي  والمراغي، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبدالمتعال الصعيدي، أن يقول المسكوت عنه الآن من الأزهر، كلمات بدأ بها الدكتور عبد الباسط هيكل، أستاذ العلوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، والباحث المتخصص في تحليل بنية الخطاب الديني، حواره مع "القرار العربي".

كشف هيكل خلال حواره عن المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني في موسوعته التي صدرت مؤخرا، حيث تناول بالوثائق علماء الأزهر الذين نادوا بالتجديد منذ فترة كبيرة، مضيفا أن موسوعة التجديد تعتبر المحطة الثالثة في مشروعي الفكري حول تجديد الخطاب الديني ومواجهة خطاب الجماعات .

"القرار العربي" دار حواره مع هيكل حول تجديد الخطاب الديني، وما آليات تنفيذه، والإشكاليات التي تواجه التجديد، والأسباب التي نادي من خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسي، بالتجديد في كل مناسبة.. وإلي نص الحوار..

من أين تريد أن نبدأ حوارنا؟

أود أن أبدأ حواري معكم بمقولة من القلب لفضيلة الإمام الشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبدالمتعال الصعيدي منذ أكثر من نصف قرن تشعرك بالمرارة التي عاشها الرجلان في سبيل التجديد أو لِنقُل إصلاح الفكر الديني، حيث قال الشيخ محمود شلتوت، في 14 يونيو عام 1943،"امتنع كثير من العلماء عن إبداء رأيهم في كثير من المسائل، التي هي محلّ خلاف ضناً بسمعتهم الدينية، فوقف العلم، وحُرمت العقول لذّة البحث، وحِيل بين الأمة وما ينفُعها في حياتها العملية والعلمية".

"وقال الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، في ٣ أبريل ١٩٤٤، ليتعظ الذين أصبحوا حرباً على أصحاب الرأي في عصرنا، وضاقت صدورهم بكلّ جديد ولو كان صواباً، وليس لهم سند في ذلك إلا الصخب واستفزاز العامة باسم الدين، والسعي في إيذاء أصحاب الآراء في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ولم يجنِ المسلمون من صخبهم إلا ذلك الجمود الذي خيَّم على الأفكار، ووقف عقبة في سبيل الإصلاح، فتقدمت الأمم وتأخّرنا، وضعف الدين، وفشا الإلحاد في بلادنا، وقد استعصى الداء، وعزّ العلاج، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

من أين جاءت كتابة فكرة الموسوعة؟ وما الهدف منها؟

الكتاب يُمثّل المحطة الثالثة في مشروعي الفكري حول تجديد الخطاب الديني ومواجهة خطاب الجماعات، فيمثل المحطة الأولى كتابي "باب الله الخطاب الديني بين شقي الرحا" الذي تناول خطاب الجماعات الإسلاموية المتنازعة حول أحقيتها بالتمثيل الحصري للإسلام، ومحاولاتها المستمرة أن تتمايز عن المسلمين بأنها دون غيرها صاحبة الفهم الصحيح للإسلام، فكل جماعة إسلامية تجعل من نفسها باب الله لمن قصد دينه، ومثل هذا الخطاب من الجماعات لم يغتل المخالف فحسب، بل اغتال الدين، وهدمه في نفوس العامة حين حوَّل التنافس السياسي إلى معركة دينية وجودية، انتصارهم يمثل انتصارا للإسلام، وخسارتهم تمثل هزيمة للإسلام.

ثم كتاب "الحب والحقد المقدس" الذي قدمت فيه حوارا بين زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري وجدّه لأمه السفير المتصوف الأديب عبد الوهاب عزام، بما يمنح القارئ فرصة الاستماع إلى صوت يدعو إلى الحقد والكراهية باسم الله متمثلا في أحد أبناء الحركة الإسلامية ونواتها الصلبة الطليعة المجاهدة - كما اختار أن يُسمي نفسه- في مقابل صوت يدعو إلى الحب والتسامح متمثلا في أحد أبناء المدرسة الإصلاحية تلميذ طه حسين السفير عبدالوهاب عزّام، ويجمع الكتاب بين التاريخ والفكر، كما يُناقش الكتاب عشرات الأسئلة التي تؤرق أبناء الحركة الأصولية والمتعاطفين معها بدافع من خوفهم على ضياع الهوية الدينية، وعشرات الأسئلة التي يُثيرها الإصلاحيون بدافع من شعورهم بالقلق الحضاري، الكتاب يقترب من الأفكار والمفاهيم الشائكة في تصورات كلا الجانبين في لغة قريبة تُمكن القارئ من التفاعل مع الحوار الفكري الدائر على صفحات الكتاب.

ثم كتاب "المسكوت عنه من مقالات تجديد الخطاب الديني" وفكرته هو تقديم رؤية الإصلاحيين داخل الأزهر لكيفية وخطوات تجديد الخطاب الديني ليكون قادرا على مواجهة أفكار الجماعات التي بات جزء منها حاضرا في خطابنا الديني والثقافي؛ لذا كان الاسم المقترح للموسوعة هو "إصلاحيون في محراب الأزهر الشريف"

يقوم الكتاب على ثلاثة محاور: الأول تناول التحديات التي تُواجه مسار إصلاح الفكر الديني وكيفية التّغلب عليها، الثاني يتتبع أهم محطات المسار الإصلاحي بداية من الإمام محمد عبده ومرورا بالشيخ محمد مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق وصولا إلى الشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المتعال الصعيدي بوصفهما من أبرز إصلاحي الأزهر وفي المحور الثالث وهو الجزء الأكبر يتناول الكتاب أهم القضايا الإصلاحية التي طرحها أئمة الإصلاح في محاولة للتعرف على المنهجية العلمية وطريقة التفكير التي تبناها هؤلاء الأئمة ومدى شجاعتهم في مواجهة واقع رافض للتغيير.

الكتاب محاولة للتفكير مع الإصلاحيين بصوت مقروء، يُشارك العامةَ والخاصةَ المسكوتَ عنه من قضايا إصلاح الفكر الديني، إيماناً بحقّ الجميع في المعرفة، فلا أمل في الخروج من تلك الهوّة الحضارية والانخراط في العصر، والإصغاء إلى استفهاماته وتحدياته بوصاية نُخبوية؛ بل بمُشاركة مجتمعية تستعيد الفريضة الغائبة فريضة التفكير والتساؤل حتى يكونَ التقييمُ والمراجعةُ والتغييرُ الذي تحتاجه كلُّ أمّة تُريد أن تصنعَ حضارة، وأن تعودَ مرةً أخرى إلى التاريخ.

ما رأيكم في الجهود المبذولة لتجديد الخطاب الديني؟ وكيف تكون البداية؟

ما زالت تجديد الخطاب الديني المؤسسي محصورًا في شكل بروتكولي في المحافل حيث تنطلق الكلمات البليغة الرنانة من أعلى المنصات كردِّ فعل لخطاب الجماعات، وينتهى التجديد بانتهاء الفاعلية الإنشائية أمام الكاميرات الإعلامية، دون ممارسات حقيقية لتجديد الخطاب الذي أصيب بجمود نتيجة التباس مفهوم الخطاب الحامل لرسالة دينية بالنص المقدس، فانتزع الخطاب قداسة مغلوطة تشعرنا بالحرج عن إخضاعه لمنهج البحث النقدي، وأصبحنا لا نقترب من خطابنا الديني إلا لاختصار شرح أو لإيجاز مُفصَّل أو للتوفيق بين المستجدات وأقوال القدامى من علماء التراث دون أي محاولة نقدية لتفكيك وتحليل تلك الخطابات بوصفها رسائل لغوية، وفهم بشري للنص الديني.

البداية أن نعترف بوجود مشكلة في الخطاب الديني حتى نفكّر في الحل الذي يبدأ من رصد الإشكاليات التي تعوق انطلاق عمليات التجديد، وأهمها قراءة كتب التراث قراءة انتقائية مُردِّدة غير مُناقِشة، وترسيخ الأحادية والتعميم والاختزال وتداخل المفاهيم وغياب المنهجية وضعف التوجه العقلي، فلا بديل عن قبول تعددية تُخرجنا من حالة المساجلة والمغالبة والإقصاء المستمر لخطابات أخرى حاضرة فينا، وإن زعمنا غيابها أو تغييبها بما يستنزف طاقاتنا، ويضعف من محاولات التعايش بيننا.

وما المقصود بالتجديد؟ وما آليات تحقيقه؟

من المعروف في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية أن كثرة استعمال مفهوم ما لا يُفيد بالضرورة وضوح معناه أو الاتفاق حول مجالات استعماله، وهذا ما ينطبق على تجديد الخطاب الديني، فالتجديد كغيره من مفاهيم الخطاب الديني لم يسلم من حالة الخلط واللبس التي تُصيب الأمم في أطوار تراجعها الحضاري، فالمفاهيم لا تقف عند زمن بعينه بل تتحرّك مع العقل الذي ينبغي أن يكون في حالة حراكٍ دائم، فإذا أصيب العقل بسكون فكري تداخلت المفاهيم وتعذّر إنتاج المعرفة.

التجديد يتنازعه طرفان الأول منهما يرى التجديد مصدره عرفاني يُلقى إلهاما وكرامة وفتحا للمغاليق يقوم به غالباً الداعية، أو الفقيه، أو المحدّث، أو الشيخ، فالمُجدّد في هذا التصور أقربُ إلى المُخلِّص الذي عاش الإنسان الأول في قبائله أو جماعاته البدائية يُنتظرُ قدومه؛ لينوب عنه في تغيير واقعه والاحتماء خلفه من ظواهر الطبيعة.

الطرف الثاني التجديد عندهم لا يأتي على نحو مفاجئ على رأْس المئة عام؛ فيؤول الخير الذي يعتمد عليه الطرف الأول، ويرى التجديد فعلٌ مستمرٌ نابعٌ من عقلانيةٍ نقديةٍ مبدعةٍ، فهو نتاج حالة من التفاعل الجمعيّ مع هموم الحاضر، بسياقاته التاريخية والاجتماعية والسياسية والفكرية، وفي مقدّمتها؛ مواجهة التوظيف النفعيّ للدين الذي تُمارسه الجماعات الدينية في محاولتها المستمرة في تقديم نفسها بوصفها المدافع عن الإسلام، فالإصلاحيون ينظرون إلى التجديد بوصفه عملية تراكمية متواصلة، فالتجديد مصدره عند الإصلاحي حالة من التفكير المستمر يشاركُ النخبة فيه العامةَ لإحداث عملية تراكمية من الإصلاح. الخلاصة أن التجديد هو التجدد المستمر لفهْم المجتمع للدين، في ظلّ مستجدات حياتية تتأثّر بالظروف الزمانية والمكانية،

برأيك.. ما الضمانة لاستمرارية التجديد؟

وعي المجتمع، وليس السلطة السياسية؛ هو الضمانة الحقيقية لقبول واستمرارية التجديد، وعْيٌ يُحرّض المجتمع على التوقف عن التسليم للخطاب العاطفي الذي يستهدف تحريك الانفعالات، وإسكات صوت العقل، وعْي يدفع المجتمع إلى تبَنّى الآراء المنسجمة مع العقل، ولا تخالف قطعيّ الدلالة من الوحي، ويرى في احتمالي الدلالة منه مجالا للاجتهاد والفكر، فما كُتب فيه ليس مقدّسا، فيُحرّك فينا أقوى محرّك للتجديد من حريّة طرح السؤال وعلانية البحث في الافتراضات.

لماذا يكرر الرئيس عبدالفتاح السيسي دعوته للتجديد في كل محفل؟ ويطالب العلماء بتكثيف الجهود؟

سيادة الرئيس يُدرك جيدا خطورة الحالة التي وصلنا إليها نتيجة الجمود والانغلاق وغياب الفكر، مما كان له أثره في ظاهرة الإرهاب والإلحاد وغيرهما من المشكلات الاجتماعية والفكرية، وهذا يجعل"التجديد" مطلبا ملحا، فقانون الفكر هو "التجديد"، فعندما يُسيطر  "التقليد" الذي هو عين "الترديد" والتكرار لما سبق قوله، الذي يحدث أن الفكر الديني ينفصل عن حركة الحياة التي تمضي سريعا في حركة تغيّرها لا تُبالي بعجز الفكر الديني عن متابعتها، فضلا عن قيادتها وترشيد اتجاه حركة التغيير فيها، على سبيل المثال الشيخ محمد عبده من حوالي مئة سنة ومن بعده الشيخ محمد مصطفى المراغي بعد تجربتهما مع القضاء وجدا أنّ أخلاقيات المجتمع تستوجب إصلاحات تشريعية وهذا ما رفضه غالبية الشيوخ حينها، منها مسألة الطلاق الشفهي التي طرحها سيادة الرئيس من واقع ما توفّر لديه من إحصائيات تشير إلى تغيرات مجتمعية تحتاج إلى أن يُرشدها التشريع وليس الخطاب الوعظي فحسب.

ألاحظ أنك تستخدم كثيرا كلمة الإصلاح وليس التجديد فهل نحن في حاجة إلى تجديد الخطاب الديني أم إصلاح الخطاب الديني؟ فما الفارق بينهما؟

التجديد يفترض وجود مسار إصلاحي قوي يعتريه بعض القصور الذي يحتاج منّا إلى تجديد، ونحن للأسف لم نقم بهذا بعد.. فكثير منّا يُخاصم الفكر الإصلاحي؛ لذا ما زال المسار الإصلاحي الذي بدأه محمد عبده منذ قرن في مكانه يُناقش القضايا نفسها.

من وجهة نظرك.. ما الأزمة التي تُواجهها الدراسات الإسلامية في جامعاتنا؟

هناك نظرة ساذجة ترى تجديد الخطاب الديني هو أن نُجدد في خطبة الجمعة، وهذا الطرح يعكس مشكلة فكرية كبيرة، فالتجديد يبدأ من مرحلة رياض الأطفال عندما نُربي الأطفال على التفكير وليس التلقين.. التجديد يبدأ عندما نُصارح أنفسنا بالأزمة التي تعيشها أقسام الدراسات الإسلامية والعربية في جامعاتنا عندما لا يقوم كثير من المنشغلين بالدراسات الإسلامية في جامعاتنا بدور الباحث المفكّر لكن بدور الواعظ المتأمل، والوعْظ إذا دخل في البحث العلمي أفسده؛ لأنّ الوعظ يعتمد على تحسين أو تقبيح إطلاقي عام مرسل يقيني، لا تعرفه لغة العلم، فهم لا يبحثون فيما يُحقق وعي علمي بالتراث، بل يستظهرون ما قاله القدامى كمُقدماتٍ لنتائجَ جاهزةٍ قد حددوها مسبقاً، ويُطْلون المقدمات والنتائج بطلاء حداثي، بِحَشْوِ البحثِ أو المقالِ العلميِّ ببعض الكلمات والجمل الحداثية، فيظهر وكأنّه يكتشف جديداً.

لا يُحرّك الأقسام العلمية الإخفاق الحضاري الذي نعيشه منذ مئات السنين، ولا المشكلات الاجتماعية التي تُحيط بنا، متجاهلين أنّ "كل ّ المشاكل الناجمة عن أسلوب ومستوى معين من التفكير لا يُمكن أن تُحلّ ما دُمنا مُصرّين على اعتماد نفس الأسلوب في التفكير"، على حدّ قول ألبرت آينشتاين. فضعْف منظومة القيم الإسلامية وعزلة اللغة العربية في مجتمعاتنا يكمن خلفه أسلوبٌ ومستوى معين من التفكير في أقسام الدراسات الإسلامية والعربية بجامعاتنا، ولا أمل في التغيير ما دُمنا مُصرّين على الأسلوب نفسه.

 

 

 

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر