يوليو 2, 2026

Alqraralaraby

الأخبار والتحليلات من الشرق الأوسط والعالم والوسائط المتعددة والتفاعلات والآراء والأفلام الوثائقية والبودكاست والقراءات الطويلة وجدول البث.

شلالات الدم في القارة القطبية الجنوبية.. ظاهرة طبيعية تكشف أسرار عالم معزول منذ 1.5 مليون عام

شلالات الدم في القارة القطبية الجنوبية.. ظاهرة طبيعية تكشف أسرار عالم معزول منذ 1.5 مليون عام

في أقصى جنوب الكرة الأرضية، وبين المساحات الشاسعة من الجليد في القارة القطبية الجنوبية، تبرز ظاهرة طبيعية فريدة تُعرف باسم “شلالات الدم”. ومن نهر تايلور الجليدي ينساب سائل أحمر داكن في مشهد أثار فضول العلماء لأكثر من قرن، ليصبح أحد أكثر المواقع الطبيعية غموضاً على كوكب الأرض.

وألقت دراسة حديثة نشرت في مجلة Antarctic Science الضوء على آلية جديدة تفسر كيفية وصول هذه المياه المالحة الحمراء إلى السطح، ما يضيف فهماً أعمق لهذه الظاهرة الاستثنائية.

شلالات الدم.. سر اللون الأحمر

اكتشف الجيولوجي الأسترالي غريفيث تايلور الموقع عام 1911، وظن في البداية أن اللون الأحمر ناتج عن وجود الطحالب، ومن هنا جاءت تسمية “شلالات الدم”. إلا أن الدراسات العلمية اللاحقة أثبتت أن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً.

وتبين أن اللون الأحمر ينتج عن مياه شديدة الملوحة وغنية بعنصر الحديد، ظلت محبوسة تحت الجزء الشمالي من نهر تايلور الجليدي لما لا يقل عن 1.5 مليون عام. وتعود هذه المياه إلى بقايا بحر قديم عُزل تحت طبقات الجليد مع تقدم النهر الجليدي عبر العصور.

ومع مرور الزمن ازدادت ملوحة هذه المياه تدريجياً حتى تحولت إلى محلول ملحي مركز قادر على البقاء في الحالة السائلة رغم درجات الحرارة المتدنية للغاية. وعندما تصل هذه المياه إلى السطح وتتفاعل مع الأكسجين، يتأكسد الحديد الموجود فيها كما يحدث للمعادن عند تعرضها للصدأ، فيتحول لونها إلى الأحمر القاني المميز.

كيف تصل المياه إلى سطح الجليد؟

شبكة خفية تحت النهر الجليدي

ظل انتقال المياه من أعماق الجليد إلى السطح لغزاً علمياً لعقود طويلة، إلى أن تمكن فريق بحثي من جامعة ألاسكا فيربانكس عام 2017 من رسم مسار تدفق المياه باستخدام تقنيات الرادار.

READ  "يوم مظلم لعلم القمر": علماء مصدومون بعد إلغاء ناسا لمركبة القمر "فايبر"

وكشفت النتائج عن وجود شبكة مخفية من القنوات المضغوطة تمتد لمسافة تقارب 300 متر داخل النهر الجليدي. وتسمح الملوحة المرتفعة للمياه بالبقاء سائلة، إذ تخفض درجة التجمد إلى مستويات أدنى بكثير من المعتاد.

كما أن تجمد أجزاء من المحلول الملحي يطلق حرارة كامنة تساعد على تدفئة الجليد المحيط، ما يحافظ على بقاء هذه القنوات مفتوحة ويضمن استمرار حركة المياه داخلها.

ويُصنف نهر تايلور حالياً على أنه أبرد نهر جليدي معروف على سطح الأرض يحتوي على مياه تتدفق بصورة مستمرة.

عالم ميكروبي معزول تحت الجليد

حياة دون ضوء الشمس أو الأكسجين

لم تقتصر أهمية شلالات الدم على طبيعتها الجيولوجية والكيميائية، بل كشفت أيضاً عن وجود نظام بيئي فريد تحت الجليد.

ففي أعماق تصل إلى مئات الأمتار، عثر العلماء على مجتمع متكامل من البكتيريا عاش معزولاً عن العالم الخارجي لأكثر من مليون عام. وخلال هذه الفترة الطويلة لم تتعرض هذه الكائنات الدقيقة لضوء الشمس مطلقاً، كما لم تعتمد على الأكسجين للبقاء.

وتستمد هذه الميكروبات طاقتها من تفاعلات كيميائية تعتمد على مركبات الكبريتات، ما يسمح لها بالعيش في بيئة قاسية لا تشبه أي نظام بيئي معروف على سطح الأرض.

واستغرق جمع العينات من هذه المياه سنوات من العمل الميداني في ظروف مناخية شديدة الصعوبة، قبل أن تكشف التحاليل عن نشاط بيولوجي لافت داخل هذا العالم الخفي.

نافذة لفهم إمكانية الحياة خارج الأرض

أصبحت شلالات الدم محوراً مهماً في أبحاث الأحياء الفلكية، إذ يرى العلماء أنها تقدم نموذجاً طبيعياً لبيئات قد توجد خارج الأرض.

ويعتقد الباحثون أن الظروف المشابهة قد تكون موجودة تحت الطبقات الجليدية السميكة على قمر أوروبا التابع لكوكب المشتري أو قمر إنسيلادوس التابع لكوكب زحل، حيث تشير التقديرات إلى احتمال وجود محيطات مالحة سائلة تحت الجليد.

READ  وكالة ناسا InSight تسجل الزلزال الوحشي على المريخ

لذلك تُعد دراسة هذه البيئة المعزولة خطوة مهمة لفهم حدود قدرة الحياة على التكيف مع الظروف القاسية وإمكانية وجودها في أماكن أخرى من النظام الشمسي.

دراسة جديدة تكشف آلية اندفاع المياه

الضغط المتراكم وراء الظاهرة

في الدراسة الحديثة، قاد الباحث بيتر دوران من جامعة ولاية لويزيانا فريقاً بحثياً راقب شلالات الدم خلال سبتمبر 2018 باستخدام مجموعة من الأجهزة العلمية، شملت محطة لتحديد المواقع وقياس حركة النهر الجليدي، وكاميرا تلتقط صوراً يومية للموقع، إضافة إلى أجهزة لقياس درجة حرارة البحيرة المجاورة.

وأظهرت البيانات انخفاض سطح النهر الجليدي بنحو 15 ملليمتراً، مع تراجع سرعة حركته الأمامية بنسبة تقارب 10%، بالتزامن مع ظهور تدفقات حمراء جديدة وانخفاض مفاجئ في حرارة مياه البحيرة القريبة.

وخلص الباحثون إلى أن الضغط يتراكم تدريجياً داخل المحلول الملحي المحبوس تحت الجليد، وعندما يصل إلى مستوى معين يندفع إلى الخارج على شكل دفعات متتالية، ما يؤدي إلى تغييرات ملحوظة في سطح النهر الجليدي قبل أن تبدأ الدورة من جديد.

شلالات الدم كمؤشر للتغيرات الجليدية

يرى العلماء أن المراقبة المستمرة لهذه الظاهرة قد توفر وسيلة طبيعية لفهم ما يحدث داخل نهر تايلور الجليدي، وربما تساعد مستقبلاً في رصد التغيرات التي تشهدها الأنهار الجليدية في القارة القطبية الجنوبية.

وبفضل تداخل عناصر الجيولوجيا والكيمياء والأحياء الدقيقة في موقع واحد، تظل شلالات الدم من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للاهتمام العلمي، كما تمثل مختبراً طبيعياً فريداً يساهم في دراسة حدود الحياة على الأرض وإمكانية وجودها في بيئات مشابهة خارج كوكبنا.