تشهد أسواق المعادن النفيسة تحولات لافتة في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ما ينعكس مباشرة على توقعات السياسة النقدية الأميركية. وفي هذا السياق، يتجه الذهب لتسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكثر من عقد ونصف، رغم تسجيله بعض الارتفاعات المحدودة في التعاملات الأخيرة.
ارتفاع طفيف في الأسعار رغم الضغوط
سجلت أسعار الذهب ارتفاعًا طفيفًا خلال تعاملات الثلاثاء المبكرة، مدعومة بتراجع الدولار الأميركي، الذي يعد عاملًا رئيسيًا في تسعير المعدن الأصفر عالميًا.
وارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% ليصل إلى 4544.19 دولارًا للأونصة بحلول الساعة 01:14 بتوقيت غرينتش. كما صعدت العقود الآجلة الأميركية للذهب تسليم أبريل بنسبة 0.3% إلى 4573.20 دولارًا، وفق بيانات وكالة “رويترز”.
أكبر خسارة شهرية منذ الأزمة المالية العالمية
رغم هذا الارتفاع المحدود، تكبد الذهب خسائر حادة خلال الشهر الجاري، حيث فقد نحو 14% من قيمته منذ بدايته، متجهًا نحو أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر 2008، وهي الفترة التي تزامنت مع تداعيات الأزمة المالية العالمية.
ويأتي هذا التراجع في ظل قوة الدولار الأميركي وارتفاع عوائد السندات، ما يقلل من جاذبية الذهب كملاذ آمن لا يدر عائدًا. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة بنحو 5% منذ بداية الربع الحالي، ما يشير إلى تقلبات حادة في اتجاهات السوق.
تراجع توقعات خفض الفائدة الأميركية
أحد أبرز العوامل الضاغطة على الذهب يتمثل في تغير توقعات السياسة النقدية في الولايات المتحدة. فقد استبعد المستثمرون إلى حد كبير قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري.
ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار الطاقة، الذي يهدد بإعادة تسريع معدلات التضخم، وهو ما يدفع البنك المركزي الأميركي إلى التريث في اتخاذ أي خطوات نحو التيسير النقدي.
وقبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، كانت التوقعات تشير إلى احتمال خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام، وهو ما كان من شأنه دعم أسعار الذهب.
النفط والتوترات الجيوسياسية يعمّقان الأزمة
شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعات قياسية، مسجلة أكبر مكاسب شهرية لها على الإطلاق، مدفوعة بتصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وهي منطقة تعد شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، خاصة لدول آسيا وأوروبا.
هذا الارتفاع في أسعار النفط يعزز الضغوط التضخمية عالميًا، ما ينعكس بدوره على توجهات البنوك المركزية، ويحد من جاذبية الذهب.
تصريحات الفيدرالي وموقف السياسة النقدية
في هذا السياق، صرح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، بأن البنك المركزي يمكنه التريث لتقييم تأثير الحرب مع إيران على الاقتصاد والتضخم.
وأشار إلى أن صناع السياسات عادة ما يتجاهلون الصدمات المؤقتة، مثل تلك الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، إلا أن استمرار هذه الضغوط قد يفرض واقعًا جديدًا على السياسة النقدية.
تصعيد سياسي يزيد من حالة عدم اليقين
على الصعيد السياسي، حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة قد تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، بما في ذلك محطات الكهرباء وآبار النفط، إذا لم تستجب طهران للمطالب المتعلقة بفتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميًا.
في المقابل، رفضت إيران المقترحات الأميركية ووصفتها بأنها “غير واقعية”، بالتزامن مع إطلاق موجات من الصواريخ باتجاه إسرائيل، ما يزيد من حدة التوترات في المنطقة.
أداء متباين لبقية المعادن النفيسة
شهدت بقية المعادن النفيسة تحركات إيجابية نسبيًا، حيث ارتفعت أسعار الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.2% لتصل إلى 70.81 دولارًا للأونصة.
كما سجل البلاتين ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.1% إلى 1901.95 دولار، بينما صعد البلاديوم بنسبة 1.1% ليبلغ 1421.45 دولارًا للأونصة، مستفيدًا من الطلب الصناعي والتقلبات في الأسواق.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يعكس أداء الذهب الحالي حالة معقدة من التداخل بين العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، حيث تضغط قوة الدولار وارتفاع أسعار الطاقة على الأسعار، في مقابل استمرار الطلب عليه كملاذ آمن. وبين هذه العوامل المتشابكة، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب لأي تطورات قد تعيد رسم اتجاهات الذهب خلال الأشهر المقبلة.

“مدمن السفر. فخور بالتواصل. خبير مستقل في ثقافة البوب. رجل أعمال.”

More Stories
الدولار يسجل مستوى قياسيًا أمام الجنيه المصري
مع تصاعد التوترات في المنطقة: الحكومة تؤكد جاهزية مخزون السلع والطاقة وتدرس إجراءات استثنائية
جي بي مورجان يتوقع أن يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي بمقدار 100 نقطة أساس هذا العام